الفلسفة السياسة.. ولاية التغلب وتقنين القهر

. . ليست هناك تعليقات:



حكومة المستبد العادل أو حكومة الفرد المنضبطة بالشريعة هي بذاتها أوتوقراطية أفلاطون المشربة بالفلسفة والحكمة وأوتقراطية أرسطو المطعمة بأرستقراطية قانونية.

خلاصة من بحث عبد الجواد ياسين 'التنظير للدولة بين الفقه والأدب السلطاني والفلسفة'، ضمن الكتاب 129 (سبتمبر/أيلول2017)'الدولة في التنظير العربي والإسلامي...' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

النشاط الفلسفي الإسلامي عمومًا نتيجة للاحتكاك بالفكر اليوناني (المنطق- الطبيعيات- الإلهيات). أما الكتابات الفلسفية السياسية فوردت –غالبا- في سياق التعليق على سياسات أفلاطون وأرسطو كما عند ابن رشد في تلخيصه "لجمهورية" أفلاطون و"أخلاق" أرسطو، أو بالبناء عليها كما عند الفارابي في "آراء أهل المدينة الفاضلة" و"تحصيل السعادة".

بوجه عام كانت الكتابات الفلسفية بعيدةً عن موقع التأثير في المدونة الإسلامية، التي انفرد بكتابتها الفقه والكلام المذهبي. وهو ما ينطبق على كتابات الفلسفة السياسية، التي لم تلعب أي دور في بناء النظرية السياسية الرسمية، ولم تقدم في مقابلها نظرية سياسية خاصة بها.

كان من الواضح أن الاحتكاك بالثقافة السياسية اليونانية لم يدفع الفلسفة الإسلامية إلى الانغماس في التفكير السياسي النظري (بما أن الفلسفة، بشكلٍ ما، هي تعقل كلي لأجزاء الواقع) فلم تنتج ما يمكن وصفه بنظرية عامة في الدولة، أو في الدولة الإسلامية، ولم تتوقف أمام الاستبداد بما هو ظاهرة مناقضة للعقل والحرية، كي تقدم أطروحة نقدية واضحة حول الطابع الأوتوقراطي الثيوقراطي للنظرية الرسمية بشقيها السني والشيعي.

كان أفلاطون قد شن هجومًا قاسيًا على الديمقراطية في محاورة "الجمهورية"، وعلى الرغم من أنه عاد في محاورتي "السياسي" و"القوانين" فأقر بإمكانية وجود نمط مقبول من الديمقراطية بشرط الخضوع للقانون والمعرفة الصحيحة، فإنه ظل يضع هذا النمط في المرتبة الثالثة من مراتب الحكومة الصالحة بعد حكومة الفرد العادل، وحكومة القلة الأرستقراطية . أما أرسطو فبالرغم من حديثه عن حكومة دستورية وسط بين الأرستقراطية والديمقراطية، ظل يؤكد ضرورة أن يكون على رأس هذه الحكومة ملك عظيم يتسم بالحكمة . لدى الفارابي وابن رشد السياسيين يحضر أفلاطون أكثر من أرسطو. وحضور أفلاطون "الجمهورية" أوضح من حضور أفلاطون "القوانين" أو "السياسي".

ما تبناه الفارابي

لم يكتف الفارابي(ت339هـ) بالتعليق على أفلاطون كما سيفعل ابن رشد لاحقًا، بل قدم محاولة للتأليف في الفكر السياسي تمثل فيها نموذج أفلاطون للمدينة الفاضلة مع تطعيمه بمفاهيم دينية وأفلاطونية محدثة، مثلما عند أفلاطون في الجمهورية، تدور الدولة عند الفارابي حول الرئيس، فالمدينة الفاضلة "تشبه البدن التام الصحيح الذي تتعاون أعضاؤه كلها على تتميم حياة الحيوان... وكما أن البدن أعضاؤه مختلفة متفاضلة الفطرة والقوى وفيها عضو واحد رئيس هو القلب.. وكل واحد منها جعلت فيه بالطبع قوة يفعل بها ابتغاء لما هو بالطبع غرض ذلك العضو الرئيس" .

وكما أن الحاكم في مدينة أفلاطون فيلسوف مفطور على الحكمة، فهو في مدينة الفارابي من يستطيع الامتزاج بالعقل الفعال، سواء عن طريق العقل المنفعل وهو الفيلسوف، أو عن طريق المخيلة وهو النبي أو الإمام المعصوم. وهو في جميع الأحوال مطلق السلطة واجب الطاعة، وهو فوق كل سلطة وكل قانون لأنه مصدر السلطة والقانون، ولذلك فهو لا يأتي باختيار الناس.

تمسك الفارابي بالرئيس الفيلسوف كأصل أفلاطوني، ولكنه انطلق من هذا الأصل لتطوير رؤيته للرئيس لتشمل الإمام المفطور، فكل من الفيلسوف والإمام المفطور قادر على إدراك الحكمة النظرية والعملية عن طريق الاتصال بالعقل الفعال واجب الوجود، الأول عبر العقل النظري والثاني عن طريق المخيلة والفيض.

لكن السلطة المطلقة –التي منحها أفلاطون للرئيس في محاورة الجمهورية ثم شهدت بعض الضبط في محاورة القوانين- كانت محدودة بحدود دولة المدينة، خلافًا للفارابي الذي كان يتكلم عن دولة عالمية تمتد سلطة رئيسها إلى "جميع الأمم وجميع أهل كل مدينة" .

كما أن هذه السلطة عند أفلاطون كانت سلطة علمانية لا تقوم على الحق الإلهي، خلافًا للفارابي الذي جعل الإمام الحاكم بالنسبة للدولة مثل المبدأ الأول واجب الوجود بالنسبة للكون، وبالتالي جعل سلطة الإمام تقوم على معرفة إشراقية صادرة عن الفيض الإلهي. وهي أجواء ثيوقراطية بعيدة -على كل حال- عن مقدمات أفلاطون وأرسطو السياسية.

قراءة ابن رشد

لم يقدم ابن رشد نظرية سياسية إسلامية، ولم يؤلف في الفكر السياسي المجرد، واكتفى بعرض آرائه السياسية في التاريخ الإسلامي، وفي دولة الأندلس المعاصرة له من خلال التعليق على أفلاطون الذي لخص له محاورة الجمهورية في كتابه "تلخيص السياسة"، وعلى أرسطو الذي لخص له كتاب الأخلاق. ولكن فضلًا عن دقة استيعابه وعرضه للمفاهيم الأفلاطونية الأرسطية، يتمثل إنجاز ابن رشد في تسكين هذه المفاهيم على أبنية الواقع السياسي الإسلامي، واستخدام منهجيتها "الاجتماعية" في تفسير التطورات التي أًصابت شكل الدولة في الإسلام المبكر.

خلافًا للفارابي –الذي وجه مفاهيم أفلاطون السياسية وجهة شيعية- استطاع ابن رشد تسكين هذه المفاهيم داخل دولة الخلافة السنية. يقول ابن رشد في تلخيص السياسة: "تدرك ما يقوله أفلاطون عن كيفية تحول الحكم الفاضل إلى حكم المجد والشرف. وهو أمر يشبه ما حدث للعرب في أول عهدهم حيث اعتادوا النزوع إلى الحكم الفاضل حتى جاء معاوية فتحول حكمهم إلى حكم قائم على المجد والشرف (الأسرة المالكة) وهو ما يشبه الحكم القائم الآن في جزيرتنا .

دولة الخلفاء الراشدين تقابل دولة المدينة الفاضلة عند أفلاطون. والخليفة المختار بالبيعة هو الذي يقابل الفيلسوف، يشرح ابن رشد: "حد الفيلسوف هو بعينه حد الملك والشارع والإمام، كلها بمعنى واحد. والذي يؤتم به ومن هذه صنعته فهو بصورة تامة فيلسوف وهو الإمام بصورة مطلقة" .

ويقابل ابن رشد بين الفلسفة أو الحكمة التي تقوم عليها المدينة الأفلاطونية والفضيلة أو الشرع الذي تقوم عليه الدولة في الإسلام، "فدولة معاوية تقابل في سلم أفلاطون الدولة التيماركية التي تقوم على المجد والشرف لأجل ذاته ولأجل السمعة والجاه (العائلة) على خلاف المدينة الفاضلة التي لا يعتبر الشرف فيها غاية بحد ذاته وإنما مرتبط بالفضيلة" ، وهو ما طبقه على دولة المرابطين الأندلسية (500-539هـ) "حيث إنهم في عهد ملوكهم كان دستورهم قائماً على الشرع، لكنهم فيما بعد تبدلوا في عهد ابنه إلى دستور المجد والشرف وقد مازجته الرغبة في المال. وحدث مع مجيء الحفيد أن تحولوا إلى دستور قائم على اللذة ".

يربط هذا التقييم بين الدولة الفاضلة والشرع، وهو ينطوي -بدون شك- على نقد موجه للدولتين الأموية والمرابطية. ولكنه ليس نقدًا فلسفيا (عقليًا) ولا قانونيًا (يتعلق بالشرعية النظرية)، بل نقد تيولوجي لا يخرج عن نطاق الطرح التقليدي للسلفية السنية التي اصطنعت بالفعل فارقًا شفافًا (ولكنه غير مؤثر شرعيًا) بين دولة الخلفاء الراشدين ودولة الملوك الأمويين، فحسب نصوص ابن رشد السياسية لا يترتب على التحول إلى دولة المجد والشرف سقوط شرعية الدولة من الناحية السياسية.

لم يذهب ابن رشد بعيدًا عن الخط العام لنظرية الخلافة السنية، ولم يظهر حماسًا للديمقراطية، التي لم يتنبه إليها كمرادف للحرية السياسية أي بما هي فكرة مقابلة للاستبداد الكامن في النظرية، بل فهمها من خلال أفلاطون وأرسطو بما هي فكرة سلبية تؤدي بالضرورة إلى الفوضى ومن ثم الاستبداد .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يرجى التكرم بالالتزام بقواعد حرية الراي وحقوق النشر

ابحث في الارشيف

الدانة نيوز الصفحة الرئيسية

الدانة نيوز الصفحة الرئيسية
الدانة نيوز هي اداة اعلامية تشكل مدخلا لمعرفة ما يدور في العالم على جميع الاصعدة والمجالات

احدث الاخبار .. الشبكة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

العالم الجديد

صفمة المقالات

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

مشاركة مميزة

ما هي الروح ... لا وجود للروح

ما هي الروح ... لا وجود للروح ما هي الروح من انتم لتفسروا ما هي الروح ؟؟ علق بعض السادة المحترمين على موضوع خرافة الروح وتاكيد...

تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

اعلن معنا

سلايدر الصور الرئيسي

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك

خدمات نيو سيرقيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اهلا ومرحبا بكم

وكالة انباء الدانة – مؤسسة عربية مستقلة – متخصصة في الاعلام والعلاقات العامة

ابحث في الموقع عن المواضيع المنشورة




لقاء مع المفكر التوسي يوسف الصديق

* * * المفكر التوسي يوسف الصديق: المصحف عمل إنساني يختلف عن القرآن ويجب الإطاحة بالأزهر والزيتونة