---------
من قلب مكة المكرمة، وفي دور المدينة المنورة، بدأت النهضة الموسيقية العربية خطواتها الأولى، فكان أول ظهور مغن محترف حاذق (طُويس) في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان.. ثم علا بناء الفن الموسيقي مع تراكم الخبرة، وكثرة المتمرسين، وظهور أساطين الملحنين، وصناديد الغناء، من الرجال والنساء، برعاية كاملة من الخلفاء والأمراء والوزراء والفقهاء والقضاة وكبار الأثرياء والوجهاء.. حتى بلغ هذا الفن ذروة عالية في العقود الأخيرة للدولة الأموية، ثم حاز من العناية والرعاية العباسية ما لا تعرفه أمة في الاحتفاء بفن من الفنون.
ومن أكثر من ألف ومئتي سنة، فرغ العالم الموسيقي المولود في المدينة، يونس الكاتب، من وضع كتابيه الشهيرين “النغم” و”القيان”، وبهذا يكون قد سبق أبا الفرج الأصفهاني، صاحب الموسوعة الكبرى المشتهرة في الدنيا “الأغاني” بأكثر من مئتي عام.. وقد عرفت منطقة الحجاز عددا من المغنين والمغنيات والملحنين الحاذقين، ومنهم: بديح، وسلّامة، وابن سريج، وابن أبي عتيق، والأحوص، ومعبد، وعقيلة، وابن محرز، والغريض.
نصير الفن الأول
وكان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، من أشد المناصرين للغناء والمدافعين عنه ضد المتزمتين، يناظر المعترضين، ويفحم الخصوم، وكان أيضا أحد كبار الهواة الذين يحبون الغناء الجيد، وتنعقد مجالس الطرب في داره، حيث تغني القيان ويضربن بالعود، ويدفع الأثمان الباهظة لشراء الجواري المغنيات، وقد يضاعف الثمن إذا كانت الجارية تحسن مع الغناء ضرب العود.. ويصف العالم الموسيقي المستشرق الإيرلندي هنري جورج فارمر ( 1882- 1965) عبدَ الله بن جعفر بأنه “نصير الفن الأول”.
وفارمر هو أحد أهم المستشرقين الذين غاصوا في تاريخ الموسيقى والغناء العربي، وبذل جهودا ضخمة تمثلت في عدد من المؤلفات الهامة منها: “الموسيقى العربية وآلاتها”، “التأثير العربي على النظرية الموسيقية”، “تاريخ الموسيقي العربية حتى القرن الثالث عشر”، و”أسماء الأصوات في كتاب الأغاني”.. وغيرها.
وتمتلئ كتب التراث التي تهتم بالغناء والموسيقى والأدب بأخبار عبد الله ابن جعفر الفنية، مبثوثة في صفحات كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والعقد الفريد لابن عبد ربه، الذي يروي أن أحدهم عاتب ابن جعفر في شراء جارية بثمن باهظ، “فرد عليه قائلا: نعم، اشتريت جارية باثني عشر ألف درهم مطبوعة، فكان بديح وطويس (مغنيان وملحنان حاذقان) يأتيانها فيطرحان عليها أغانيهما، فعلقت منها حتى غلبت عليهما، فوُصِفت ليزيد بن معاوية، فكتب إليّ: إما أهديتها إليّ، وإما بعتها بحكمك, فكتبت إليه: إنها لا تخرج عن ملكي ببيع ولا هبة، فبذل لي فيها ما كنت أحسب أن نفسه لا تسخو به فأبيت عليه”.
الطرب في المدينة المنورة
واشتهرت المدينة جدا بالسماع، ويبدو أنها كانت حالة عامة، أثارت القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وكان عراقيا يميل للتشدد في الغناء، فلما التقى إبراهيم ابن سعيد الزهري بادره مستنكرا: ما أعجب أمركم يا أهل المدينة في هذه الأغاني، ما منكم شريف ولا دنيء يتحاشى عنها. قال الزهري: فغضبت، وقلت: قاتلكم الله يا أهل العراق، ما أوضح جهلكم، وأبعد من السداد رأيكم.. متى رأيت أحدا سمع الغناء فيظهر منه ما يظهر من سفهائكم هؤلاء الذين يشربون المسكر فيترك أحدهم صلاته، ويطلق امرأته، ويقذف المحصنة، ويكفر بربه، فأين هذا من هذا، من اختار شعرا جيدا ثم اختار جرما حسنا فردده عليه فأطربه وأبهجة فعفا عن الجرائم وأعطى الرغائب…؟ فقال أبو يوسف: قطعتني، ولم يحر جوبا.
ويروي ابن عبد ربه موقفا آخر للزهري، إذ سأله هارون الرشيد يوما: من بالمدينة ممن يحرم الغناء؟ فقال الزهري: من قنّعه الله بخزيه، قال: بلغني أن مالك بن أنس يحرمه، قلت يا أمير المؤمنين أوَ لمالك أن يحرم ويحلل؟ والله ما كان ذلك لابن عمك محمد صلى الله عليه وسلم إلا بوحي من ربه… ولو سمعت مالكا يحرمه وتناله يدي لأحسنت أدبه.. فتبسم الرشيد.
وهذا الحوار يشير ضمنا إلى أن الغناء وسماعه كان حالة عامة، وأن التشدد والتحريم كان استثناء، فالرشيد يسأل عمن يحرم، والسؤال يكون عن النادر والقليل، ولو كان المنع هو السائد ما سأل الرشيد عنه.
السماع في مكة المكرمة
أما في مكة، فلم يكن الشأن يختلف كثيرا، فالغناء مقبول منتشر مطلوب، لاسيما بين الوجهاء والفقهاء وذوي المناصب، وفي العقد الفريد يورد ابن عبد ربه أن الأوقص المخزومي وليَ قضاء مكة، فما رؤي مثله في العفاف والنبل، فبينما هو نائم ذات ليلة في علِّيّة له، إذ مر به سكران يتغنى ويلحن (يخطئ) في غنائه، فاقترب المخزومي منه وقال: يا هذا، شربت حراما، وأيقظت نياما، وغنيت خطأ، خذه عني، فأصلحه عليه.. فقاضي مكة ليس فقط من هواة السماع، بل هو من حفاظ الألحان المتقنين، فيصوب للسكران المخطئ.
ويروي ابن عبد ربه: قال أحمد بن جعفر: حضر قاضي مكة مأدبة لرجل من الأشراف، فلما انقضى الطعام اندفعت جارية تغني… فلم يدر القاضي ما يصنع من الطرب، حتى أخذ نعليه وجثا على ركبتيه: وقال اهدوني فإني بدنة.. (أي اذبحوني كالأضحية التي يذبحها الحجاج).
ومن هذه البدايات الراسخة، تراكمت الخبرة الغنائية، والحذق الموسيقي، وبلغ الفن ذروته أيام بني العباس، سواء في اختيار النصوص، أو التلحين، أو الغناء، أو العزف على العود، أو حتى في التنظير الموسيقي، والجدل حول التطوير والتجديد.
وقد رأى فارمر أن “موسيقى الحجاز وغناءه في صدر الإسلام كانت الرصيد الأساسي للغناء العربي التقليدي”.. الغناء الذي استمرت الأجيال في مراكمته، ومثل القاعدة الصلبة للنهضة الموسيقية الحديثة التي بدأت منتصف القرن الثامن عشر، وحتى سبعينات القرن العشرين.
أما الناقد الفني الكبير كمال النجمي، فيرى أن “التاريخ العربي قد سجل أن الغناء يتمتع بالمنعة والاحترام، إذا قويت الدولة العربية وبسطت سلطانها، فلا يجرؤ أحد أن يَتقَحَّم عليه أو يفض مجالسه، فإذا جاءت عصور التدهور القومي والاجتماعي والسياسي، اجترأ على الغناء أوشاب الناس وجهلاؤهم، وعابه وانتقص منه السفهاء والعيارون والشطار والغلمان والأحداث”.
ومن العجب والأسف، أن الحجاز الذي كان المنطلق الأول للنهضة الموسيقية العربية، وكانت حاضرتاه الكبيرتان مكة والمدينة أرعى مدائن العرب والإسلام للغناء، انقلب به الحال في ظل الحكم الوهابي المتزمت، فأصبح يصدر إلى العالم كله فتاوى التحريم والمنع.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
يرجى التكرم بالالتزام بقواعد حرية الراي وحقوق النشر