مختصر تاريخ مصر فى العصر البيزنطى ( 325م-641م

. . ليست هناك تعليقات:

مختصر تاريخ مصر فى العصر البيزنطى ( 325م-641م
عبد الجواد سيد عبد الجواد
تميز عهد قسطنطين الكبير بحدث كبير آخر غير إتخاذ المسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية وهو بناء مدينة القسطنطينية على موقع قرية بيزنطة القديمة عند مدخل خليج البسفورفى المنطقة الفاصلة بين أوربا وآسيا بين الأعوام 224-330م وقد إتخذها قسطنطين عاصمة لملكه وأطلق عليها تسمية روما الجديدة وتُركت روما القديمة لمصيرها حتى سقطت على يد إدواكر زعيم قبائل الهرول البرابرة سنة 476م. وسرعان ماسقط الغرب الأوربى كله أمام جحافل البرابرة الجرمان القادمين من منطقة إسكندنافيا الحالية والذين أسسوا على مدى القرون التالية نواة الشعوب الأوربية الحديثة. وبذلك إنتقل كل ميراث الإمبراطورية الرومانية إلى روما الجديدة التى إشتهرت فى التاريخ بإسم القسطنطينية وعُرفت دولتها بإسم الإمبراطورية البيزنطية التى شملت هضبة الأناضول ومنطقة البلقان بالإضافة إلى مصر وسوريا ودول شمال إفريقيا ونافست روما القديمة على زعامة العالم المسيحى حتى سقوطها على يد العثمانيين سنة 1453م.

كان المسيح يهودياً من إسرائيل وقد ولد اثناء عهد الإمبراطور أغسطس وأُعدم فى عهد الإمبراطور تيبريوس وكانت المسيحية أساساً حركة إصلاحية داخل اليهودية ولكن رسالة المسيح حققت نجاحاً محدودا بين الشعب اليهودى ولذا فسرعان ماتم توجيهها إلى العالم اليونانى الرمانى الذى رحب بها ووجد فيها تصحيحاً وإتماما للفلسفة الإغريقية الرومانية وبذلك إلتقت أفكار الشرق الدينية بعلم العالم الإغريقى الرومانى وفلسفته. لكن الواقع أن رسالة المسيح قد حققت تقدمها الكبيرالأول بين جموع المحرومين والفقراء فى العالم الرومانى الذين وجدوا فى قصة حياته وإستشهاده تعبيراً عن إحتجاجهم على النظام الرومانى المرهق الذى هزته الحروب والغزوات وتصارع المذاهب والأفكار وواجبات الدولة المرهقة.

أدخل المسيح كثيراً من التعديلات على الشريعة الموسوية أساس الشريعة اليهودية فلم يحرم الدعوة إلى غير اليهود ولم يحرم السبت كما حرم الرجم وأحل كثيراً من محرمات الطعام اليهودى الصارمة وأعلن أنه المسيح الذى بشر به أنبياء إسرائيل فإنقسم اليهود إزائه فريقين، فريق آمن به وبدعوته وبكونه المسيح آخر أنبياء إسرائيل ومخلصها وفريق آخر أنكر ذلك، وهنا بدأت السلطات الرومانية تنتبه إلى حركته وتخشى من تداعياتها فى فلسطين وأخيرا إجتمع رأى الفريقين – اليهودى والرومانى- على القضاء عليه فتم تدبير القبض عليه وصدر حكماً بإعدامه على أساس تهمة إدعاء ملك إسرائيل وكانت تهمة خطيرة تساوى تهمة الخيانة العظمى فى الزمن الحاضر إذ كان الإمبراطور الرومانى هو الملك الوحيد على العالم الرومانى وتم تنفيذ الحكم فى عهد الإمبراطور تيبريوس – كما تشير سجلات الدولة الرومانية – لكن ذلك الحدث لم يمر دون تداعيات ففى الوقت الذى أصدر فيه الرومان حكماً بإعدام المسيح فقد أصدروا معه حكماً بإعدام إمبراطورهم أيضا فالواقع أنه منذ ذلك التاريخ فصاعداً أصبح للعالم الرومانى بطلا جديدا غير الإمبراطور الرومانى هو المسيح/يشوع آخر أنبياء إسرائيل وشهيد العالم الرومانى. ومن المؤكد أن المسيح كان إنساناً حكيماً فوق العادة قوى الشخصية فوق العادة بحيث إهتزت فلسطين لمصرعه كل ذلك الإهتزاز الذى تسبب فى تغيير وجه العالم القديم فسرعان مابدأ العالم الرومانى ينظر بشكل جديد إلى تراث إسرائيل الدينى من خلال دعوته قصيرة العمر،عميقة الأثر. وقد تجمعت فى قصة المسيح كل ثقافة العالم القديم اليهودية والمصرية والفارسية والإغريقية ووفرت لها البيئة الرومانية التى شملت كل أقاليم البحر المتوسط سبل الإنتشار السريع.

وقد سجل تلاميذ المسيح سيرة حياته فى الأناجيل الأربعة المعروفة وهى أناجيل لوقا ومتى ومرقس ويوحنا وأضيف إليها فصول من أعمال الرسل وهم تلاميذ المسيح أثناء تبشريهم برسالته فى العالم الرومانى خاصة بولس وبطرس ومثل ذلك التراث الدينى ماعرف بعد ذلك بإسم العهد الجديد تمييزاً له عن تراث إسرائيل الدينى القديم والذى اصبح يعرف منذ ذلك الحين بإسم العهد القديم وشكل التراثان معاً ماأصبح يُعرف بالكتاب المقدس( Bible)وقد أصبح للكتاب المقدس تأثيراً طاغياً على عقول الناس فى العصور الوسطى لاينازعه أى تأثير آخر حتى ظهور الإسلام فى القرن السابع الميلادى وظهور القرآن ككتاب مقدس عربى بديل أخذ ينافس الكتاب المقدس المسيحى اليهودى. وبعدما إنتزع العرب منطقة جنوب المتوسط من الإمبراطورية البيزنطية أصبح للإسلام السيادة هناك بينما ظلت المسيحية هى العقيدة المسيطرة فى شماله ومن تاريخ المسيحية والإسلام تشكل تاريخ العصور الوسطى.

وصلت المسيحية إلى مصر فى القرن الأول الميلادى حيث يروى أن القديس مرقس قد حضر إلى مصر بنفسه وأنه قد بشر بالدين الجديد فى الإسكندرية فى أواسط القرن الأول الميلادى ولكن دلائل ظهور المسيحية فى مصر بدأت تتضح منذ القرن الثانى الميلادى فقط حيث ظهر فى هذه الفترة نشاط وكتابات مسيحية هامة منها نص على أوراق البردى من إنجيل القديس يوحنا يرجع إلى النصف الأول من القرن الثانى وكذلك نص من إنجيل مسيحى غير الأناجيل الأربعة المعروفة. والأناجيل فى كل الأحوال هى سيرة حياة المسيح وتتفق فى معظمها على الخطوط العامة وتختلف فى بعض التفاصيل فقط.

ولقد كان للظروف الدينية والفكرية التى سادت الإسكندرية فى ذلك الوقت تأثيراً كبيراً على الديانة الجديدة بسبب المناخ الفلسفى الذى ساد الإسكندرية فى ذلك الوقت وظهور الدعوة الغنوصية التى كان أصحابها ينكرون الديانات القديمة ويميلون إلى الإعتقاد فى فكرة إلهية تتمثل فيها المثل الدينية الرفيعة دون التقيد بدين معين تماماً مثل الحركة الحنيفية التى ظهرت فى الحجاز قبل ظهور الإسلام مباشرة.وفى وسط ذلك المعترك العنيف من المذاهب والفلسفات والأديان المختلفة من ناحية وإضطهاد الدولة من ناحية أخرى شقت المسيحية طريقها وأصبح لها فى الإسكندرية مركزاً ورئيساً ومدرسة تعليمية لتدريس تعاليمها حوالى نهاية القرن الثالث الميلادى. ومن الإسكندرية إنتشرت المسيحية إلى جميع أنحاء مصر بعد ذلك.

لعبت مدرسة الإسكندرية دوراً كبيراً فى تاريخ المسيحية فقد كانت مدينة الإسكندرية قد إكتسبت شهرة عالمية فى العصر القديم كمركز للتعليم وأصبح متحف الإسكندرية ( مركز إلأهات الفنون والعلوم) الذى تأسس فى بداية العصر البطلمى والمكتبة التى تأسست بجواره مركزاً للفكر والبحث ونادى إجتماعى للنخبة المثقفة لجميع سكان البحر المتوسط. وبينما حظيت الإسكندرية لزمن طويل بتلك الشهرة الثقافية والعلمية فإنه وبنهاية العصر البطلمى أصبحت الفلسفة هى أشهر المجالات الثقافية القائمة بها. ولقد كان من شأن تلك الروح الفلسفية أن تكون ذا تأثير قوى على المفكريين اللاهوتيين المسيحيين الأوائل الذين عاشوا وعملوا فى الإسكندرية بحيث إشتهرت كنيسة الإسكندرية فى أنحاء عالم البحر المتوسط بأكاديميتها التعليمية المسيحية وبالمعرفة الإنجيلية والفلسفية لأساتذتها. وقد إشتهرمن بين صفوف مؤسسى تلك المدرسة التعليمية عالمان سكندريان يرجع إليهما التاريخ المسيحى الفضل فى إرساء القواعد الأساسية للعقيدة المسيحية وهما كليمنت السكندرى(160-215م) وتلميذه أوريجن(185-253م). وقد أنتج أوريجن بشكل خاص مجموعة من المؤلفات التى تركت أثرها على تاريخ الفكر المسيحى كان أشهرها هو عمله الكبير فى اللاهوت التأملى المنهجى المعنون بإسم ( فى المبادئ الأساسية).

وهكذا ساهمت مصر فى التراث المسيحى منذ البداية كما أصبحت – بعد ذلك – مركزاً لأكبر الحركات اللاهوتية تأثيراً فى تاريخ الكنيسة المسيحية مثل الدعوة الآريوسية التى تُنسب إلى آريوس أحد رجال الدين فى الإسكندرية والذى كان قد صاغ أراءً مستقلة إختلفت عن العقائد السائدة فى المسيحية آنذاك ودخل فى صراع عنيف مع الأسقف إسكندر أسقف كنيسة الإسكندرية فى ذلك الوقت. وقد تعلقت آراء آريوس الجديدة بالعلاقة بين الأب والإبن فى الثالوث العقيدى الموحد فى العقيدة المسيحية إذ كان يرى أن الإبن لايمكن أن يكون مساوياً للأب لأن الأب قديم ودائم بينما الإبن جديد وذو بداية أى أنه مخلوق وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون الإبن إلهاً مثل الأب. وقد صدمت هذه الآراء كثيراً من رجال الكنيسة فى الإسكندرية الذين كانوا يؤمنون بأن الإبن مثل الأب قديم ودائم وأنهما من طبيعة واحدة. وقد تعقدت الأمور بسبب ذلك بين آريوس وإسكندر فتدخل الإمبراطور قسطنطين ودعى إلى عقد مجمع دينى عالمى لكنائس الشرق والغرب فى نيقيا فى آسيا الصغرى سنة 325م.

وبالفعل إنعقد المجمع وشهده القساوسة من جميع أطراف الإمبراطورية كما حضره قسطنطين بنفسه وأشرف على إدارة كثير من الجلسات. وفى هذا المجمع إتضحت الخلافات المذهبية الخطيرة التى بدأت تعانى منها العقيدة الجديدة ومن أهمها الدعوة الآريوسية الجديدة والتى بدأت تكتسب لها أتباعاً. حاول الإمبراطور التوفيق بين مختلف الآراء وأمكن التوصل فى النهاية إلى صيغة ترضى جميع الأطراف ولكن الإمبراطور إقترح إضافة فى نهايتها يصف فيها العلاقة بين الأب والإبن بأنهما من طبيعة واحدة وكان معنى ذلك أن الإمبراطور قد قرر فى النهاية مجاملة الأكثرية التى كانت ترفض عقيدة آريوس. وقد قبل الجميع هذا القرار بإستثناء إثنين من أتباع آريوس المخلصين فاصدر المجمع قراراً بحرمانهما مع آريوس من الكنيسة كما أمر الإمبراطور بطردهم من مصر. ومع ذلك فقد إستمرت مشكلة الإنشقاق داخل الكنيسة بدون حل وعندما أدرك قسطنطين ذلك حاول إعادة الوحدة إلى الكنيسة بإصدار عفو عن آريوس وبإعادته إلى منصبه فى الإسكندرية ولكن الأسقف إسكندر رفض إجابة طلب الإمبراطور وبذلك بدأ خلاف عنيف بين كنيسة الإسكندرية وبين القصر الإمبراطورى فى القسطنطينية. وكالعادة إتسم هذا الخلاف بالطابع الدينى والسياسى معاً وبدأت العلاقات بين الإسكندرية وروما تتحسن بقدر مابدأت تسوء مع القسطنطينية. وقد تطور هذا الخلاف وإتخذ أشكالاً اكثر حدة فى عهد أثناسيوس الذى خلف إسكندر سنة 328م والذى إكتسبت كنيسة الإسكندرية فى عهده أهمية عالمية لايضاهيها فيها سوى كنيسة روما ذاتها وأصبح أثناسيوس – على مر السنين – زعيما شعبياً وليس مجرد اسقف كنيسة.

وقد بدأ الخلاف بين أثناسيوس وقسطنطين أول الأمر بسبب مسألة آريوس إذ أصر أثناسيوس على موقف سلفه إسكندر ورفض أمر الإمبراطور بإعادة آريوس إلى كنيسة الإسكندرية. وبعد تكرار فشل محاولات الإمبراطور قررعقد مجمع دينى فى مدينة صور سنة 335م لمحاكمة أثناسيوس بتهم مختلفة لاتقتصر على موقفه من آريوس ولكنها شملت تهم أخرى مثل القسوة فى معاملة أتباع ميليتوس- أحد رجال كنيسة الإسكندرية – والتدخل فى تعطيل إبحارالقمح المصرى إلى القسطنطينية ثم تأييده لثورة قامت ضد الإمبراطور فى مصر قادها شخص يدعى فيلومينيس سنة 335م. وبالفعل قرر مجمع صور عزل أثناسيوس من منصبه وألحق الإمبراطور ذلك بأمر نفيه من مصر إلى بلاد الغال( فرنسا الحالية )فى القسم الغربى من الإمبراطورية.

أما المشكلة الكبيرة الأخرى التى واجهت الكنيسة فى عهد قسطنطين فهى الموقف من دعوة أتباع ميليتوس إلى إتخاذ موقف قاس من الذين ضعفوا أمام الإضطهاد وإرتدوا عن المسيحية فى سنوات الإضطهاد التى بدأت فى زمن دقلديانوس وذلك فى حين أن الأسقف إسكندر كان يفضل موقفا متسامحاً يبيح العفو بعد التوبة. ورغم أن هذا الموضوع ظل مصرياً بعكس دعوى آريوس التى إتخذت طابعاً عالمياً فقد كان ميليتوس متعصباً كثير الأتباع لدرجة دفعته لإن يبنى لأتباعه كنيسة خاصة أطلق عليها إسم كنيسة الشهداء لايشاركهم فيها المسيحيون الآخرون ولذلك إضطرت الكنيسة إلى نفيه إلى فلسطين ورفع الأمر إلى قسطنطين الذى قرر عرضه على مجمع نيقية أيضا. وقد أصدر المجمع قراراً توفيقياً وهو ان يحافظ ميليتوس على لقبه الدينى دون أن يعود إلى ممارسة عمله فى الكنيسة ولكن سُمح لأتباعه من رجال الدين بالعودة إلى ممارسة عملهم بعد قبول الأسقف إسكندر لهم. ومع ذلك ورغم الإجماع والوحدة التى ظهرت فى مجمع نيقية فإنه لم يتمكن من إيجاد الحلول النهائية للمشاكل التىواجهها فلم تمت الدعوة الآريوسية بنفى آريوس أو بمحاولة إعادته إلى منصبه بعد ذلك كما أن الإنقسام الميلوتيسى لم يعالج بإقتراح ذلك الحل الوسط.

وبعد وفاة قسطنطين عام 337م عاد أثناسيوس إلى الإسكندرية ورغم مقاومة أتباع آريوس وميليتوس لعودته فقد تمكن من القضاء على مقاومتهم عن طريق إحضار جماعات من الرهبان بزعامة أنطون الراهب إلى الإسكندرية ونجح فى تولى أمور الكنيسة من جديد. ومع ذلك فلم يتمكن أثناسيوس من الإستمرار طويلاً فى منصبه لإن الإمبراطور الجديد قسطنطين الثانى ضاق به وأصدر أمراً بطرده هو وأتباعه من الكنيسة عام 339م. ولم ينتظر أثناسيوس أن يُلقى القبض عليه مرة أخرى ففر إلى روما حيث كان يثق فى مناصرة البابا وإمبراطور الغرب له وبالفعل إستقبلاه بالترحاب وساعده إمبراطور الغرب على العودة إلى الإسكندرية وتولى منصبه مرة ثانية فى سنة 346م. وفى خلال الأعوام العشرة التالية عمل أثناسيوس على توطيد مركزه فى مصر ومحاربة الآريوسية التى كان أمرها قد إستشرى فى البلاد أثناء فترة نفيه. وفى خلال تلك السنوات من أسقفية أثناسيوس نمت الكنيسة المصرية نمواً كبيراً وتعدت حدود مصر وأنشأت كنيسة الإسكندرية فرعا لها فى إثيوبيا.

وفى خلال تلك السنوات أيضا كان إمبراطور روما نصير أثناسيوس قد مات وأصبح قسطنطين الثانى إمبراطورا مفرداً فى الإمبراطورية ولإنه لم يكن راضياً عن إزدياد نفوذ أثناسيوس فقد إنتهز فرصة إقامته للصلاة فى الكنيسة التى أمر ببنائها على أنقاض معبد القيصرون وذلك قبل الإنتهاء من البناء وبدون إذن الإمبراطور وقرر القبض عليه فى عام 356م لكن أثناسيوس تمكن من الفرار وإختفى بين الرهبان المصريين وظل يتنقل بين الأديرة المختلفة التى كانت قد إنتشرت فى ذلك الوقت سواء فى الصعيد أو فى الصحراء الغربية.

كانت حركة الرهبنة المصرية قد نشأـت حوالى عهد الإمبراطور ديقيوس بسبب الإضطهاد الكبير الذى شنه هذا الإمبراطورعلى المسيحيين. وقد إحتفظ لنا تاريخ الكنيسة المصرية بذكرى شخصية مصرية قديمة جعلها نقطة البداية فى نشأة الرهبنة المسيحية فى مصر وهى شخصية الأنبا بولس من طيبة فى صعيد مصر والذى هرب أثناء إضطهاد ديقيوس للمسيحيين إلى الصحراء الشرقية ولكنه لم يعد ونشأت حوله الأساطير بعد ذلك.

وسرعان ماتطورت حركة الرهبنة الفردية التى بدأها الأنبا بولس لتصبح حركة جماعية على يد القديس أنطونيوس فى مدينا كوما فى مصر الوسطى. وسيرة حياة القديس أنطونيوس سيرة حقيقية واضحة المعالم بعيدة عن الطابع الأسطورى الذى يميز سيرة الأنبا بولس وقد رواها الأسقف اثناسيوس وأعاد القديس جيروم صياغتها.

كان أنطونيوس مصرياً صميماً لايعرف سوى اللغة القبطية وقد وُلد لأسرة ثرية فى منتصف القرن الثالث الميلادى ولكنه بعد فقد أبويه إستبد به إنفعال دينى شديد فقرر الإستغناء عن ثروته للفقراء بعد أن ترك جزءً منها لأخته وقرر إتخاذ حياة التنسك والرهبنة فعبر نهر النيل إلى الصحراء والجبال الشرقية واقام فى بقايا قلعة مهجورة فى موقع يقال له بسبير وذلك لنحو من عشرين عاما (285-305م) وسرعان ماذاع صيته واقبل عليه المسيحيون من كل صوب ممن أخذوا أنفسهم بحياة التنسك طالبين التتلمذ على يديه وهكذا نشأت أول حركة رهبنة جماعية حول القديس أنطونيوس فى مصر الوسطى.

وقد عاصرت حركة الرهبنة الأنطونية حركات رهبنة جماعية أخرى نشأت فى طيبة فى الصعيد وفى مدينة البهنسا بمصر الوسطى وإسنا والشيخ عبادة وكيلوس بالقرب من اسيوط وكذلك فى وادى النطرون شمال مصر مما يعنى أن حركة الرهبنة المصرية كانت قد بدأت تغزو المناطق ذات الطابع الإغريقى فى شمال مصر. ومن أشهر رواد حركة الرهبنة فى وادى النطرون يذكر التاريخ إسم القديس آمون الذى نزح إلى هذه الصحراء عام 325م والقديس مكاريوس السكندرى والذى يُنسب إليه الدير الموجود حتى الآن فى وادى النطرون ويُعرف بإسم دير أبى مقار.

ولم تقتصرحركة الرهبنة الأنطونية على الرجال فقط بل شملت كثيراً من النساء أيضاً وقد شجعت الكنيسة فى ذلك الوقت ذلك الإتجاه وكتب الأسقف اثناسيوس كتاب( رسالة التبتل العذرى) يقدم فيه الإرشادات الواجب على الراهبة إتباعها. ومن أشهر راهبات ذلك العصر الراهبة فيامون التى إكتسبت شهرة كبيرة فى عصرها بفضل الدور الذى قامت به لمنع إحدى المعارك المألوفة فى مصر القديمة بين قريتين بسبب تقسيم مياه الرى.

وفى حدود ذلك الوقت الذى شاع فيه نظام أنطونيوس فى مصر الوسطى والإسكندرية كان هناك نظام رهبانى ديرى آخر يتأسس فى صعيد مصر الأعلى على يد القديس باخوميوس الذى ولد فى الجزء الأخير من القرن الثالث الميلادى بالقرب من بلدة قصر الصياد فى مديرية قنا الحالية. وقد خدم باخوميوس فى الجيش الرومانى تحت قسطنطين وليسكنيوس وفى تلك الفترة تعرف على أول جماعة مسيحية فى مدينة إسنا الحالية وبعد ذلك وبمجرد تركه الخدمة العسكرية إعتنق المسيحية وإتخذ سبيل الرهبنة.وسرعان ماطور باخوميوس نظام الرهبنة الجماعية المحدود الذى عُرف على يد أنطونيوس إلى نظام الرهبنة الجماعية الكامل وأنشأ ديره الأول سنة 323م بالقرب من دندرة الحالية وسرعان ماإنتشر هذا النظام الباخومى الجديد بحيث كان قد شمل أديرة كثيرة فى أماكن متفرقة من مصر عند وفاة باخوميوس سنة 345م. المسيح مصر

وقد تميز الدير الباخومى بالخضوع لنظام عام موحد وبطابع شبه عسكرى ولم تكن حياة الدير الباخومى قاصرة على العبادة والتنسك وإنما كانت أشبه بمستعمرات إقتصادية ينتج أهلها مايحتاجونه بأنفسهم. ورغم أن الأغلبية من الرهبان الباخومية كانوا من المصريين فقد سُمح للأجناس الأخرى أن تنضم إلى هذه الأديرة أيضاً ولكن كان لكل جنس بيت خاص به. كان التعليم هو أهم مظاهر نظام الديرية الباخومية فقد قضى نظام الدير بوجوب ان يتعلم الراهب القراءة والكتابة ومعرفة الكتاب المقدس عن ظهر قلب كشرط أساسى. ولم تقتصر الديرية الباخومية على الرجال فقط بل شملت النساء أيضاً وذلك فى أديرة خاصة بالراهبات مثلها فى ذلك مثل الديرية الأنطونية.

وقد وُجدت حركات ديرية أخرى بعد ذلك عملت على الجمع بين النظامين الأنطونى والباخومى ومن أشهرها الأديرة الميليتية وحركة الأنبا شنودة. وتُنسب الأديرة الميليتية إلى ميليتوس -السابق ذكره- وتتميز هذه الأديرة بنظام أكثر ديموقراطية من النظام الباخومى إلا أنها لم تستمر طويلاً.

أما الآنبا شنودة فقد تعلم فى أحد الأديرة الباخومية ولكنه لم يرض بذلك النظام فإتخذ لنفسه نظاماً جديداً طبقه فى ديرين هما الدير الأبيض والدير الأحمر فى منطقة سوهاج. وقد حاول أن يجعل حياة الديرية أكثر صرامة ودقة من نظام باخوميوس كما قصر حق دخول الدير على المصريين. على أن أهمية شنودة لاتقتصر على حركته الديرية فقط وإنما ترجع إلى تراثه الأدبى فقد بقى الكثير من دروسه وعظاته التى كتبها باللغة القبطية بلهجة منطقة أخميم وقد ذاع أمر كتاباته بعد ذلك حتى أصبحت اللهجة التى كتب بها هى لغة الكنيسة المصرية لمدة قرون كثيرة.

هكذا نشأت الرهبنة فى مصر وأصبح لها نظم وقواعد مطبقة وممارسة على نطاق واسع منذ القرن الرابع الميلادى وسرعان ماإنتشرت خارج مصر إلى فلسطين وسوريا والعراق ثم اليونان وإيطاليا وأسبانيا وفرنسا حتى وصلت إلى إيرلنداغربا فى فترة وجيزة جدا.

وعلى أى حال ، فبعد وفاة قسطنطين الثانى وتولى جوليان المرتد العرش(361-363م) حاول أثناسيوس أن يعود إلى كنيسته للمرة الثالثة لكنه فشل وأصدر الإمبراطور أمراً بنفيه من الإسكندرية فإضطر إلى الإختفاء بين الرهبان مرة أخرى. وفى عام 362/364م تولى الإمبراطور جوفيان العرش فى القسطنطينية فعفى عن أثناسيوس وأعاده إلى كرسيه فى كنيسة الإسكندرية. ورغم تولى الإمبراطور الآريوسى فالنز لعرش الإمبراطورية بعد جوفيان (364-378م) فقد إستطاع أثناسيوس الحفاظ على أسقفيته هذه المرة حتى وفاته سنة 373م.

وبعد وفاته خلفه الأسقف بطرس وكان أحد زملائه ولكن الإمبراطور فالنز إنتهز فرصة موت أثناسيوس وأراد أن يعين أسقفاً آريوسياً ولذلك فلم يعترف ببطرس وأقام بدلاً منه أسقفاً آريوسياً يدعى لقيوس وإضطر بطرس إلى الفرار إلى روما. وقد مثلت أسقفية لقيوس آخر محاولة آريوسية للسيطرة على الكنيسة المصرية وقد أخذ لقيوس ينتقم من أتباع أثناسيوس وينكل بهم وخاصة بين رهبان الصحراء الغربية. وقد صاحب حركة إضطهاد الرهبان تلك صدور قرار إمبراطورى يقضى بأنه يجب على الأثرياء من المواطنين الذين يهجرون المدن بدعوى الإنضمام إلى صفوف الرهبان أن يعودوا ثانية وأن يسلموا جميع ممتلكاتهم للدولة. لكن هذه القرارات لم تكن كافية لمنع أفراداً من كل الطبقات من أن يتركوا مواطنهم ويذهبوا إلى الأديرة مما أخذ يؤثر على حركة التجنيد للجيش وهنا أصدر الإمبراطور قراراً بتجنيد الرهبان وإستخدم القوة للقبض عليهم وتجنيدهم. وقد أدى كل ذلك لثورة الأهالى على الأسقف الآريوسى لقيوس مما إضطره إلى الفرار إلى القسطنطينية وعلى أثر ذلك تمكن بطرس خليفة أثناسيوس والذى كان منفياً فى روما من العودة إلى الإسكندرية عام 375/376م.

وبعد وفاة الإمبراطور الآريوسى فالنز خلفه الإمبراطور ثيودوسيوس (379-395م) فأراد أن يعالج المشاكل الدينية بطريقة توفيقية فإبتدأ بأن أعلن ضرورة تعميم عقيدة مجمع نيقية الذى عُقد أيام قسطنطين الكبير سنة 325م على كل الكنائس ثم أكد ذلك الإعلان بعقد مجمع دينى فى القسطنطينية سنة 381م دون دعوة أى ممثلين عن الكنيسة المصرية وأعلن فيه أن كنيسة القسطنطينية يجب أن يكون لها مكان الشرف التالى لكنيسة روما بصفتها روما الجديدة قاصداً بذلك تنحية كنيسة الإسكندرية عن مركزها التالى لكنيسة روما ثم أصدر المجمع قراراً آخر بأن يقضى بأن تقتصر كل كنيسة على الإقليم الذى تقع فيه ومعنى ذلك أن تقتصر كنيسة الإسكندرية على مصر فقط وأن لاتتدخل فى الولايات الأخرى.

وقد شن ثيودوسيوس حملة شديدة للقضاء على الوثنية فى أرجاء الإمبراطورية وفى ذلك الوقت كان قد تولى أسقفية الإسكندرية بعد لقيوس وبطرس أسقفاً يدعى ثيوفيلوس فتولى هذا الأخير تنفيذ هذه السياسة الإمبراطورية بكل قسوة ووحشية. ولما كان معبد السيرابيوم فى الإسكندرية من أشهر معاقل الوثنية القديمة فقد إستعان ثيوفيلوس بالسلطات العامة فى المدينة وهاجم المعبد ودمره ودمر المكتبة الكبيرة التى كانت ملحقة به. وبعد ذلك تفرغ ثيوفيلوس إلى إضطهاد خصومه فى الرأى من رهبان الصحراء الغربية مستخدماً فى ذلك قوة من الجنود الرومان. وفى سنة 312م توفى ثيوفيلوس وخلفه الأسقف كيرلس الذى يعتبر أهم من تولى الكنيسة المصرية بعد أثناسيوس كما كان الإمبراطور ثيودوسيوس قد توفى عام 395م وخلفه إبنه أركاديوس إمبراطوراً على الشرق وإبنه ألاخر هونوريوس إمبراطوراً على الغرب وفى عهديهما إنفصل شقى الإمبراطورية إلى الأبد.

حكم أركاديوس حتى عام 408م وخلفه ثيودوسيوس الثانى فى حكمه الطويل الذى إستمر حتى عام 450م ولذا فقد عاصرت فترة حكمه فترة أسقفية كيرلس فى الإسكندرية. كان كيرلس متعصباً شديد التطرف وفى أيامه تجدد إضطهاد اليهود فى الإسكندرية بعد أن خمد لنحو من ثلاثة قرون كما إضطهد كيرلس مدارس الفلسفة فى الإسكندرية بإعتبارها مراكز للفكر الوثنى وكانت الفيلسوفة الشهيرة هيباثيا من ضحاياه حيث إضطهدها ثم أطلق عليها الرهبان فقتلوها عام 415م.ولم يكف كيرلس عن هذه الأعمال إلا بعد أن تدخل الإمبراطور ثيودوسيوس الثانى وأرسل بعثة للتحقيق. ولكن أهم مايميز عهد كيرلس هو تجدد الصراع المذهبى بين القسطنطينية والإسكندرية والذى سينتهى بالإنفصال التام للكنيسة المصرية عن كنيسة القسطنطينية. فقد حدث فى ذلك الوقت أن نشأ خلاف جديد بين المسيحيين حول طبيعة المسيح الإلهية والبشرية وكان من الطبيعى أن تقرر الكنيسة الرسمية فى القسطنطينية موقفها من هذه الخلافات تبعاً لقرارات مجمع القسطنطينية الدينى الذى عُقد عام 381م وجعل من كنيسة القسطنطينية الكنيسة الرسمية للدولة. وبالفعل أصدر نسطوريوس أسقف القسطنطينية رأيه فى الأمر منادياً ببشرية المسيح إلى جانب إلوهيته فهو بشر من أمه وإلهاً من أبيه. وعلى أثر ذلك إنقسمت الكنائس المختلفة إلى فريقين. فريق يؤيد الدعوة النسطورية أو الملكانية كما أصبحت تعرف بسبب تعبيرها عن رأى الإمبراطور أيضاً وفريق يعارض هذا الرأى معارضة شديدة وقد تمثل ذلك الفريق فى كنائس مصر وسوريا وأرمينيا والتى كانت تدعو إلى مبدأ الطبيعة الواحدة على أساس أن طبيعة المسيح البشرية قد ذابت فى النهاية فى طبيعته الإلهية بحيث أصبح فى النهاية ذو طبيعة إلاهية واحدة. وقد عُرف أنصار هذا الرأى بإسم أنصار مذهب الطبيعة الواحدة ( المينوفيزيتى) كما عُرفوا فى سوريا بإسم اليعاقبة نسبة إلى زعيمهم يعقوب. وبالطبع لم تكن الخلافات المذهبية بين كنائس الشرق وبين القسطنطينية سوى إنعكاساً لخلافاتهم السياسية أيضاً ولذلك فبمجرد أن أعلن نسطوريوس عقيدته فى القسطنطينية حتى راح كيرلس يهاجمها فى الإسكندرية ويفندها حتى نجح فى مجمع إفسوس الذى عُقد سنة 431م فى أن يفرض رأيه على ألأعضاء ويصدر حكماً ضد نسطوريوس نفسه.وقد ظل كيرلس متمتعاً بمكانة عالية حتى نهاية حياته سنة 444م.

وبعد وفاته خلفه الأسقف ديوسقورس (444-451م) الذى عاصر السنوات الأخيرة من حكم ثيودوسيوس الثانى. وقد واصل ديوسقورس صراع كيرلس ضد القسطنطينية عندما حاول أسقفها الجديد فلافيانوس بعث الفكرة النسطورية وضرورة إثبات طبيعتى المسيح فى مجمع إفسوس الثانى الذى عُقد سنة 449م حيث تصدى له ديوسقورس وإستطاع أن ينتزع إنتصاراً سريعاً ولكن يبدو أن هذا الإنتصار قد تم بأساليب غيرمشروعة بحيث أُطلق على هذا المجمع إسم مجمع اللصوص.

وبعد وفاة الإمبراطور ثيودوسيوس الثانى خلفه الإمبراطور مارقيانوس(450-457م) فقام بإلغاء قرارات مجمع إفسوس الأخير ودعا إلى عقد أكبر مجمع مسيحى قديم فى خلقدونية سنة 451م ومن هذا المجمع خرجت عقيدة توفيقية جديدة تؤكد أن( للمسيح طبيعتين غير مندمجتين ولامتغيرتين ولامنقسمتين ولا منفصلتين).

وقد حوكم ديوسقورس أمام هذا المجمع وصدر الحكم بعزله من منصبه بسبب مواقفه الدينية وبسبب سوء سلوكه أيضاً. ثم صدر قرار الإمبراطور بنفيه إلى جانجرا بآسيا الصغرى حيث توفى عام 454م. ولكن قرارات مؤتمر خلقدونية ونفى ديوسقورس لم تنه الخلاف ولم تنجح فى تحقيق الوحدة الدينية للإمبراطورية وظلت دعوة الطبيعة الواحدة قوية فى مصر وسوريا ونشأ عن ذلك إضطرابات عنيفة راح ضحيتها كثير من الناس ودخلت الكنيسة المصرية فى سلسلة طويلة من المنازعات بشأن إختيارالأسقف فمن ينتخبه المصريون لايرضى به الإمبراطور ومن يرشحه الإمبراطور لايرضى به المصريون وإستمر ذلك إلى أن تم الإتفاق سنة 482م فى عهد الإمبراطور زينون(474-491م) الذى خلف الإمبراطور ليو الأول الأسورى(457-474م) على أن يختار المصريون أسقفهم دون تدخل الإمبراطور بحيث يمكن إعتبار هذا التاريخ البداية الفعلية لإنفصال كنيسة الإسكندرية عن كنيسة القسطنطينية.

وقد كان لهذه الخلافات المذهبية عواقب وخيمة على وحدة الإمبراطورية إذ أفقدتها وحدتها الداخلية فعجزت عن مواجهة الأخطار الخارجية التى بدأت تحيط بها على كل الجبهات تقريباً. وفيما يخص مصر فقد نشطت القبائل النوبية من جديد وفى الشرق إنتهز الفرس فرصة سوء الأحوال فى الإمبراطورية وأخذوا يتقدمون غرباً حتى حدود مصر الشرقية وبدا كأن الإمبراطورية على وشك الإنهيار بسبب الإنقسامات الداخلية والهجمات الخارجية ولم يستطع الإمبراطور أنسطاسيوس (491-518م) الذى خلف زينون أن يفعل شيئاً لإيقاف ذلك التدهور بل على العكس فقد شهد عهده مزيداً من الصراعات الدينية والحروب التى أدت إلى إراقة الدماء وإستمر ذلك الوضع حتى تولى الإمبراطور جستن الأول (518-527م) الحكم فى القسطنطينية وبدأ بمساعدة أحد قواده وخليفته بعد ذلك الإمبراطور جستينيان العظيم (527-565م) فى محاولة جادة لوضع حداً للنزاعات الدينية فى الإمبراطورية ومحاولة مواجهة الأخطار التى أحاطت بها وإعادة توحيد شقيها الشرقى والغربى مرة أخرى.

ومع ذلك ورغم نجاح جستنيان العظيم فى معالجة الكثير من مشاكل الإمبراطورية فقد فشل فى تحقيق الوحدة الدينية للإمبراطورية مرة أخرى وذلك بسبب عمق هذه الخلافات المذهبية بين القسطنطينية وسائر كنائس الشرق من جهة وبين القسطنطينية وروما من جهة أخرى. ومن المفارقات المثيرة فى هذا الخصوص أن جستنيان وبصفته إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة فقد كان بطبيعة الحال من أنصار المذهب الملكانى أو مذهب الطبيعتين الذى كانت كنيسة القسطنطينية تتبناه وذلك فى الوقت الذى كانت فيه زوجته ثيودورا من أنصار مذهب الطبيعة الواحدة السائد فى كنائس الشرق الأخرى.

حاول جستنيان تعميم قرارات مجمع خلقدونية كما منع المصريين من إختيارأساقفتهم بأنفسهم وفرض عليهم أساقفة من إختياره كان يتم تنصيبهم فى الخارج ثم يرسلون إلى الإسكندرية فى حراسة قوة عسكرية تفرضهم على الكنيسة بقوة السلاح . لكن جستنيان لم يستطع أكثر من ذلك فقد ظل معظم المصريين على مذهب الطبيعة الواحدة ولم تجدى محاولات الأساقفة الملكانيين نفعاً فى ثنيهم عن عقيدتهم برغم كل ماإتبعوه من وسائل تعسفية. لكن إصلاحات جستنيان الأخرى حققت بعض الآثار الإيجابية فى مصر فقد أعاد توحيد السلطتين المدنية والعسكرية فى شخص الوالى بينما أبقى على تقسيم مصر إلى عدة ولايات و قد ساعد ذلك على إستتاب الأمن وتأمين الحدود. وفى عهد جستنيان إستطاع المصريون أن يمدوا نفوذهم الدينى جنوباً فدخلت القبائل النوبية فى المسيحية على مذهب الطبيعة الواحدة وذلك رغم جهود الأسقف فى الإسكندرية فى أن يكون للمذهب الملكانى السبق. ولكن جستنيان لم يعترض على ذلك لإنه رأى فى إمتداد المسيحية إلى جنوب مصر إمتداداً لنفوذ الإمبراطورية وتأميناً لحدود مصر الجنوبية فى نفس الوقت.لكن خلفاء جستنيان لم يكونوا فى مثل قدرته ولذلك لم يستطيعوا الحفاظ على المكاسب التى تحققت فى عهده وعادت الفوضى إلى الجيش والإدارة معا وتجددت الهجمات الأجنبية على الحدود وخاصة هجمات الفرس على الحدود الشرقية وفى مصر عاود النوبيون تهديدهم وغزوهم لحدود مصر الجنوبية ولم يكن لدخولهم فى المسيحية أى أثر وفى الوقت نفسه عاد الخلاف المذهبى فى مصر إلى سابق عهده وإشتدت مقاومة المصريين للأسقف الملكانى فى الإسكندرية حتى وصلت العلاقة بين الطرفين إلى طريق مسدود تماماً.

فبعد وفاة جستيان العظيم خلفه الإمبراطور جستن الثانى(565-578م) والذى حاول جاهداً الحفاظ على المكاسب التى تحققت فى عهد جستنيان العظيم كما إمتنع عن دفع الجزية التى كانت قد تقررت لبعض الشعوب البربرية فى عهد جستنيان والتى كانت ترهق خزانة الدولة لكنه مالبث أن اصيب بلوثة عقلية فى عام 573م وقامت زوجته صوفيا بتصريف أمور الدولة بمعاونة تيبيريوس قائد الحرس الإمبراطورى وإبن جستن الثانى بالتبنى والذى أصبح إمبراطوراً بعد وفاة الأخير(578-582م). لم يكن تيبيريوس يقل رغبة فى إصلاح الإمبراطورية عمن سبقه من أسلافه فعمل على تخفيض الضرائب عن السكان وإتبع سياسة خارجية أكثر إعتدالاً فتنازل للآفار عن بعض مناطق الدانوب كما هادن الفرس لكنه لم يكن يستطيع أن يفعل شيئاً إزاء الأخطار الأخرى التى أخذت تتجمع حول الإمبراطورية من كل صوب بالإضافة إلى الإنشقاق الدينى الشديد داخلها.

وبعد وفاته خلفه قائد الحرس الإمبراطورى وزوج إبنته الإمبراطور موريس(583-602م) والذى تمكن من تحقيق السلم مع الفرس عندما إلتمس منه كسرى الثانى(590-638م) العون فى تثبيته على عرش فارس الذى كان قد وصل إليه بالثورة فساعده موريس على ذلك وكان السلام هو الثمن الذى طلبه فى المقابل. ولكن موريس قد حول قواته على أثر ذلك إلى الجبهة الغربية فى محاولة لإسترداد أملاك الإمبراطورية التى كان جستنيان الثانى قد تنازل عنها إلى الآفار ولكن يبدو أنه قد أرهق جنوده فى القتال لدرجة كبيرة فتمردوا عليه ونادوا بأحد القادة العسكريين ويدعى فوقاس إمبراطوراً ورحب أهالى القسطنطينية بالإمبراطور الجديد لما عانوه من الإجراءات الصارمة التى كان موريس قد فرضها عليهم. وبالفعل تولى فوقاس عرش الإمبراطورية بعد قتل موريس(602-610م) لكن عهده شهد مزيداً من التدهور فى أحوال الإمبراطورية وإزدياد حدة الصراع الدينى داخلها بسبب إضطهاده لأتباع مذهب الطبيعة الواحدة مما أدى إلى عصيان الولايات الشرقية ومن بينها مصر. وقد مثلت تلك الظروف فرصة سانحة للفرس للتقدم داخل الأراضى البيزنطية فإخترقت الجيوش الفارسية الحدود الأرمينية وتوغلت فى آسيا الصغرى حتى مدينة خلقدونية ثم تقدمت إلى جنوب الشام وإستمرت فى تقدمها حتى تمكنت من إحتلال مصر بعد ذلك. وفى هذه الظروف السيئة راسل أهالى القسطنطينية هرقل حاكم شمال إفريقيا البيزنطى ليحضر بجيوشه فى محاولة يائسة لإنقاذ الإمبراطورية مما أصابها من إنحلال وفوضى. وبالفعل أنفذ هرقل العجوز إبنه الذى كان يدعى هرقل أيضاً إلى القسطنطينية لخلع فوقاس.

نزل هرقل فى مدينة سالونيك اليونانية وإتخذها مركزاً لتجميع قواته قبل مهاجمة القسطنطينية وفى هذه الأثناء إنضم إليه كثير من القادة وقطع الإسطول المتواجدة فى أنحاء البحر المتوسط وبعد أن إكتملت إستعدادته أبحر إلى مضيق الدردنيل فى شتاء عام 610م وبمجرد وصوله إنضم إليه معظم أهالى القسطنطينية الثائرين على حكم فوقاس فلم تصمد قوات فوقاس طويلاً وهُزم اسطوله بعد معركة قصيرة مع أسطول هرقل الذى دخل إلى المدينة على أثر ذلك وقبض على فوقاس واصدر عليه حكما بلإعدام. وفى أكتوبر 610م نودى بهرقل إمبراطوراً وتوج فى القسطنطينية.

بدأ هرقل حكمه بمواجهة أهم الأخطار التى أحاطت بالإمبراطورية وهى تقدم الفرس فى آسيا الصغرى شرقاً وخطر السلاف والآفار فى شبه جزيرة البلقان غرباً هذا بالإضافة إلى مشكلة الصراع الدينى المزمنة بين أنصار المذهب الملكانى والمذهب المونوفيزيتى وخاصة فى مصر بعد فشل حل الإرادة الواحدة الذى كان قد إقترحه والذى يعنى بأنه سواء كان للمسيح طبيعة واحدة أو طبيعتين فإن له إرادة واحدة. وإزاء هذاالموقف قام هرقل بتعيين قيرس الذى يسميه العرب المقوقس بطريركاً لكنيسة الإسكندرية ونائباً له على مصر فى نفس الوقت وفوضه فى معالجة أمورها السياسية والدينية وتفرغ هو لمواجهة الأخطار الأخرى فبدأ بمواجهة خطر الفرس بعد أن عقد هدنة مع الآفار والسلاف مقابل جزية كبيرة إتُفق على دفعها لهم. وقد إستطاع هرقل فى النهاية طرد الفرس من الشام ومصر والذين كانوا قد إحتلوهما بين الأعوام (616-619) كما إستطاعت حامية المدينة صد الهجوم المشترك الذى قام به الفرس والآفار على القسطنطينية عام 626م ووقع مع الملك شيرويه إبن كسرى الثانى إتفاقية المنتصر عام 627م بعد أن حرر بيت المقدس وإسترد صليب الصلبوت لكن مشكلة النزاع الدينى فى مصر ظلت فى تفاقم مستمر برغم كل وسائل القسوة والعتف التى إتبعها قيرس نائب الإمبراطور فى مصر.

وأثناء تلك السنوات من بدايات القرن السابع الميلادى والتى شهدت تلك الحروب الطاحنة بين الفرس والرومان وتلك النزاعات المذهبية الخطيرة التى مزقت وحدة الإمبراطورية الرومانية الشرقية كان هناك أحداث خطيرة تجرى فى جزيرة العرب حيث تمكن أحد تجار مكة من وضع اللبنات الأولى لدولة تجمع قبائل العرب فى مدينة يثرب بشمال الحجاز حوالى عام 622م بعد أن وحدهم على عقيدة إبراهيمية جديدة أسماها الإسلام ولذا ففى الوقت الذى كانت فيه الحروب الفارسية الرومانية تنتهى كانت غارات الدولة العربية الوليدة على حدود الإمبراطوريتين المتداعيتين تبدأ. وسرعان ماسقط العراق فى أيدى العرب بعد معركة القادسية عام 636م وإندفع العرب على أثر ذلك إلى داخل الهضبة الإيرانية وأزالوا إمبراطورية الفرس الساسانيين من الوجود بعد مصرع آخر أباطرتها يزدجرد الثالث وفى ذلك الوقت كانت الشام البيزنطية تُبدى بعض المقاومة لكنها سرعان ماسقطت وإكتسحها العرب بعد معركة اليرموك سنة 638م. وبعد الإنتهاء من أمر الشام قرر القائد العربى عمرو بن العاص الزحف على مصر. وفى حوالى سنة 639م كان عمرو يتجه بقواته البدوية المتعطشة للقتال من فلسطين فى إتجاه حدود مصر الشرقية لينتزعها من قلب العالم المسيحى ويجعل منها أكبر قاعدة للهجوم عليه!!!!

عبدالجواد سيد عبدالجواد

جاكرتا 12/1/2015م

abdelgawad885@yahoo.com

أهم المراجع :

1-مصر من الإسكندر الأكبرحتى الفتح العربى

د.عبداللطيف أحمد على/دار النهضة العربية-بيروت

2-الإمبراطورية الرومانية/د.مصطفى العبادى-

دار النهضة العربية – بيروت

3-مصر المسيحية/إدوارد هاردى/

ترجمة/ عبدالجواد سيد عبدالجواد

منشأة المعارف/الإسكندرية

4-تاريخ الشرق الأوسط- بيتر مانسفيلد-

ترجمة/عبدالجواد سيد عبدالجواد-

مطبعة الفتح/توزيع منشأة المعارف/الإسكندرية

5-The Middle East-Bernard Lewis-Phoenix Giant-london

6-The Early Coptic Papacy , Stephen J.Davis-AUC press.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يرجى التكرم بالالتزام بقواعد حرية الراي وحقوق النشر

ابحث في الارشيف

الدانة نيوز الصفحة الرئيسية

الدانة نيوز الصفحة الرئيسية
الدانة نيوز هي اداة اعلامية تشكل مدخلا لمعرفة ما يدور في العالم على جميع الاصعدة والمجالات

احدث الاخبار .. الشبكة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

العالم الجديد

صفمة المقالات

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

مشاركة مميزة

ما هي الروح ... لا وجود للروح

ما هي الروح ... لا وجود للروح ما هي الروح من انتم لتفسروا ما هي الروح ؟؟ علق بعض السادة المحترمين على موضوع خرافة الروح وتاكيد...

تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

اعلن معنا

سلايدر الصور الرئيسي

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك

خدمات نيو سيرقيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اهلا ومرحبا بكم

وكالة انباء الدانة – مؤسسة عربية مستقلة – متخصصة في الاعلام والعلاقات العامة

ابحث في الموقع عن المواضيع المنشورة




لقاء مع المفكر التوسي يوسف الصديق

* * * المفكر التوسي يوسف الصديق: المصحف عمل إنساني يختلف عن القرآن ويجب الإطاحة بالأزهر والزيتونة